
شَخْصِيَةُ الإِمَامِ السيد مُوْسَى الصدْر
عندما يريد الباحث أن يكتب شيئاً حول شخصية عادية تراه يمرر القلم بكل جرأة وبأسرع ما يمكن حيث لا يخشى التقصير في الحديث عن هذه الشخصية أو تلك أو عن هذه القضية وتلك.
ولكنه إذا أراد أن يتحدث أو يكتب عن شخصية نادرة ومميَّزة تراه دقيقاً للغاية وحذِراً بعض الشيء كيلا يكون مخطئاً أو مقصّراً لأن المسؤولية كبيرة والعاقبة وخيمة.
وهذا ما راودني وأنا أخطط للكلام عن شخصية هذا الإمام حيث لا يمكن أن نجزم بأنه أراد هذا المعنى أو ذاك، وذلك بسبب فكره المتشعب وكلامه الذي يحمل وجوهاً كثيرة من أوجه الفائدة ومعاني الخير للإنسان بما هو إنسان بالدرجة الأولى.
فمرةً نسأل عن الشخص بلفظة(مَنْ) ونريد من ورائها معرفة هويته الشخصية، فيقال هو فلان أو ابن فلان أو من البلد الفلاني.
ومرة ثانية نوسع رقعة السؤال فنستعمل لفظة(ما) ونريد منها معرفة خصاله وأفعاله وأهدافه وطموحاته وغير ذلك من الأفعال، وبهذه الكلمة نسأل عن الإمام السيد موسى الصدر الذي عرفه الجميع وعرفوا نسبه الطاهر إذ لا نقيّم الإنسان ولا نقيسه بنسبه، وإنما نقيّمه بعمله، والرحمة الكبرى هي أن الأمرين قد اجتمعا في الإمام الصدر فهو شريف النسب وشريف العمل، ولن أعلّق على نسبه لأن المعرَّف لا يُعرَّف.
ولمعرفتي بسلوك الإمام في التعبير والتفكير، لو أنّ أحداً سأله عن نسبه وبلده لأجابه بقوله: نسبي دِيني، وعائلتي شعبي، وبلدتي وطني، وأخوتي زملائي في المسيرة، وشعاري حبُّ الله والإنسان، ورسالتي خدمة البشر وكلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، وسيرتي العمل للمصلحة العامة، ولقد أفصح الإمام عن هذا المعنى عندما خاطب شعبه قائلاً: عرشي قلبكم، ومكاني بينكم:
فالإمام السيد موسى الصدر هو أحد أكبر علماء المسلمين في عصره، وأهم مَن ترجم علمه عملياً، وأبرز من سلك نهج الأنبياء، ويدلنا على ذلك سيرته العملية وتأسيسه لدولة الإنسان ومواجهة الظالم وإن كان من أهل الملة التي ينتمي إليها.
وهو العالِم العلم، والنجم اللامع، والرجل الصالح الذي كان هدفه من ثورته تأسيس مجتمع صالح يجمع من خلاله القاصي والداني، وهو وارث علم الأنبياء ومحقق بعض أهدافهم والمؤسس لجزء من دولتهم، وهو الطموح الذي لم يثنه عن العمل سوى التغييب، وهو الذي كان يرى الجميع في عَرضٍ واحد، فلقد نصر المظلوم ودافع عن المحروم وطالب بالحقوق العامة والخاصة لكافة الشعب دون تمييز عنصري أو مذهبي، وهو صاحب المواقف المشرّفة والكلمة الحرة والضمير الحي وصفات القائد الحقيقي الذي رأى بأن المسؤولية تكليف وليست منصباً للحصول على بعض الإمتيازات، فلم يعمل يوماً لنفسه أو عائلته النسبية، بل ساوى بينه وبين غيره وعاش معهم آلامهم وشاركهم في أحزانهم وأفراحهم، وهو الإنسان الذي احترم أخاه الإنسان، وهو الذي خدم الإنسان بما هو إنسان، ودافع عنه بما هو صاحب حق، وطالب له بحقه أياً يكون المحقوق، فليس عنده كبير أو صغير أو حاكم أو محكوم، بل كان يرى أنّ هناك حقاً وباطلاً وأنه يجب الحفاظ على الحق مهما كان الثمن غالياً، وهو بذلك يطبّق مسيرة جده الإمام علي بن أبي طالب(ع) الذي كان يقول: لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فيَّ مَهْمَزٌ، وَلاَ لِقَائِلٍ فيَّ مَغْمَزٌ، الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مَنْهُ:
لقد كان الإمام السيد موسى الصدر شخصية نادرة الوجود سواء في تفكيره أو سلوكه أو إخلاصه أو حبه للغير، ولا أستطيع تحت هذا العنوان أن أذكر كل شيء عنه لأن كل ما سوف يُكتب في هذا الكتاب ينصب تحت عنوان شخصيته المرموقة.
الشيخ علي فقيه



